حكومة الحريري حاجة للبنان وسوريا !

2010-02-06

بقي اللبنانيون خمسة اشهر من دون حكومة ومع رئيس مكلَّف هو زعيم "تيار المستقبل" و"قائد" 14 آذار النائب سعد الحريري. ذلك ان الأخير فشل في التأليف بعدما كلَّفه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في شهر حزيران الماضي القيام به فاعتذر عن متابعة المهمة. لكنه عاد فقبلها مرة ثانية عندما اعاد سليمان تكليفه بعد ذلك اي في شهر ايلول. وفي التاسع من شهر تشرين الثاني اي بعد قرابة شهرين على التكليف الثاني نجح الرئيس المكلَّف في انجاز مهمته فكانت حكومة التوافق الوطني او الوحدة الوطنية او حكومة الديموقراطية التوافقية التي "اقتنع" بها قادة لبنان وزعماؤه وان بعد لأي.

الا ان اللبنانيين كلهم يعرفون ومعهم العالم اجمع ان هذا النجاح ما كان ليتحقق لولا المصالحة التي انهت قطيعة طويلة او بالأحرى توتراً طويلاً بين المملكة العربية السعودية وعاهلها عبدالله بن عبد العزيز وسوريا ورئيسها بشار الاسد. ويعرفون ايضاً ان نجاح الحكومة الجديدة ورئيسها سعد الحريري في القيام بمهماتها او بغالبية هذه المهمات لن يتحقق الا اذا استمرت المصالحة المذكورة او بالأحرى الا اذا ادت الى تفاهم عميق ومفصّل بين الدولتين الشقيقتين على كل القضايا الخلافية ولا سيما منها التي ينكرون وجودها علناً رغم انها قد تكون الاسباب الابرز للخلاف الذي نشب قبل سنوات وللبرودة التي سبقته. ويعرفون ثالثاً ان النجاح نفسه للحكومة الجديدة يرتبط بقدرة رئيسها سعد الحريري والقيادة السياسية السورية العليا وتحديداً الرئيس بشار الاسد على ايجاد لغة مشتركة بينهما رغم كل مرارات الماضي والشكوك المحيطة به وعلى اقامة تواصل حقيقي صادق ومنتج باعتبار ان الشكليات على هذا الصعيد مفعولها قصير الأمد ولا تفيد احداً لا في لبنان ولا في سوريا. ويعرفون رابعاً ان النجاح اياه للحكومة يرتبط في الوقت نفسه باستمرار العلاقة الوثيقة جداً جداً بين الرئيس الحريري والمملكة العربية السعودية. ذلك انها كانت عرّاب تفاهمه مع سوريا المبدئي على الأقل وعرّابه بل حاميته امام سوريا وضامنته عندها. كما هي الحليف الابرز لفريق 14 آذار الذي يقود وتحديدا "لشعبه" وخصوصاً في ضوء الحساسيات والاشكالات بل الخلافات والصراعات المذهبية بين المسلمين ومرارات الحروب بين المسلمين والمسيحيين وبين المسيحيين انفسهم.

هل يعني كل ذلك ان نجاح حكومة الرئيس سعد الحريري مضمون او شبه مضمون؟

المعلومات المتوافرة عند عدد من الذين تابعوا ومن قرب المشاورات السعودية – السورية بعد "مصالحة الكويت" وبعد بدء مسيرة تأليف الحكومة اللبنانية الاولى لسعد الحريري والاولى بعد الانتخابات النيابية الاخيرة تدفعهم الى الاعتقاد ان النجاح قد لا يكون بعيداً من الحكومة الجديدة ورئيسها. وتفيد هذه المعلومات انه عندما تعقّد موضوع تأليف الحكومة بعد الاخبار التي نشرت في وسائل الاعلام ولم تكن كلها "خاطئة" عن تفاهم الرياض ودمشق على زيارة الرئيس المكلّف سعد الحريري سوريا وعن رفض الاخير ذلك للأسباب الكثيرة المعروفة ومنها انه مستعد للقيام بهذه الزيارة كرئيس لحكومة لبنان وليس بصفة اخرى شخصية او غير رسمية، تفيد المعلومات ان القيادة السعودية "زعلت" من الرئيس المكلّف لأنه وهو "الحليف" لها رفض مخرجاً لمشكلة هي وضعته او ساهمت في وضعه او قبلته. وعبّرت عن زعلها بأكثر من طريقة. وتفيد المعلومات نفسها ان الحريري ما كان في إمكانه تبنّي هذا المخرج بسبب "الملف الثقيل" في العلاقة بينه وبين عائلته والنظام السوري وبسبب التطورات المعروفة في الوضع اللبناني.

وعندما وصلت الامور الى هذه المرحلة، تُلْفِتْ المعلومات اياها، ابلغت السعودية الى سوريا انها لا تمانع في نشوء وضع لبناني يعيد النظر في عملية التكليف بحيث ترشح غالبية اعضاء مجلس النواب شخصاً آخر لتأليف الحكومة. وتردد في حينه ان الرئيس نجيب ميقاتي كان الأوفر حظاً. والمفاجأة هنا اتت من سوريا وتحديداً من الرئيس بشار الاسد الذي شكر السعودية على ايجابيتها ولكنه هو الذي تمسك بالحريري رئيساً للحكومة الاولى بعد الانتخابات النيابية مؤكداً انه وسوريا يريدانه في هذا الموقع وانهما سيكرمانه ويقدمان له كل الدعم اللازم. واعطى الرئيس السوري اسباباً كثيرة لهذا الموقف الايجابي كان ابرزها ان في لبنان عدداً كبيراً من المراكز والقواعد لتنظيم "القاعدة" الارهابي التكفيري، وخطره كما خطر كل الذين على شاكلته يطال العرب كلهم ويؤثر سلباً على قضاياهم القومية والوطنية. وعدم التعاون للقضاء على هذا الخطر سيكون مهلكاً للجميع. وفي لبنان فان التعاون مع الحريري وتيار "المستقبل" والطائفة السنّية التي يتزعم غالبيتها من شأنه انجاح مكافحة "القاعدة" وارهابها. فضلاً عن ان للحريري وتياره بل لتيار الاعتدال السنّي كله مصلحة في التعاون مع سوريا للتخلص من تنظيم "القاعدة" والذين على شاكلته لأن تمدده سيكون على حسابهما اذ سيرثهما بالكامل كما سيكون على حساب لبنان الذي قد يوقعه ذلك في حرب اهلية من جديد يختلط فيها الديني والطائفي بالمذهبي وخصوصاً في اوساط المسلمين.

هل الاعتقاد المبني على المعلومات المنشورة اعلاه بنجاح الحكومة بسبب التعاون السوري معها في محله؟

متابعو العلاقات اللبنانية – السورية وتطوراتها من زمان انفسهم يرجحون ان يكون كذلك. لكنهم يشددون على ان ضمان نجاح حكومة الحريري يقتضي، الى استمرار رعاية السعودية للبنان وتعاونها الوثيق مع سوريا والى تحلّي رئيس الحكومة الشاب سعد الحريري بالجدية والموضوعية والحكمة والصبر على المكاره تماماً مثلما فعل "حليفه" رغم انفصاله عن 14 آذار الزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط، يشددون على ان ضمان نجاح الحكومة يلزمه الى كل ذلك قراراً سورياً بالتعامل مع لبنان كدولة وبالتخلي عن مطالبها فيه وبالتوقف عن استعماله ساحة خلفية لها ومدى حيوياً لسياساتها والطموحات. كما يلزمه قرار لبناني رسمي باحترام الاحجام والمصالح والامن لكل من البلدين الشقيقين وقرار اخر شعبي باحترام الذات. والقراران اللبناني والسوري لا يزالان غائبين.





Share

Copyright 2010 Khabaronline.com. All rights reserved.