غورباتشوف في الذاكرة

2010-02-03

لم يعد الاسم يثير الحشرية او حتى الانتباه. ولم يعد الرجل يمثل تلك الصفحات من التاريخ التي ساهم في كتابتها، وتغيير مسار البشرية. كان سقوطه من الذاكرة أسرع من سقوط الدولة العظمى التي كان يقودها يوما، ثم كان شاهدا ومشجعا على زوالها من الوجود.

ميخائيل غورباتشوف في بيروت، للمرة الثانية على الأغلب، منذ تحوله الى ضيف ثقيل على عواصم وحواضر لا تحترم ولا تخاف إلا الأقوياء. المرة الاولى كانت قبل ست سنوات، وكان في احد المجالس الخاصة يرد بعفوية وسذاجة على اتهامات، لا تقل عفوية او سذاجة، بأنه خرب العالم وحطم الشيوعية وفكك الاتحاد السوفياتي، وهو لذلك يتحمل وحده مسؤولية الكوارث التي حلت بالكرة الارضية. قال انه لا يزال يؤمن بالاشتراكية ويعتبر ان الرأسمالية تحمل بذور هلاكها، لكنه يعتبر ان التجرية الروسية انتهت، والتجربة الصينية تعثرت، والبحث عن بدائل ما زال مستمرا.

هذه المرة، لم يكن السؤال عما فعله الرجل في الماضي الذي يبدو انه بات بعيدا جدا. بل عما يفعله في بيروت اليوم. هو ضيف الاتحاد الدولي للإعلان الذي ينعقد هذه السنة في لبنان، لكي يتحدث عن كيفية «إسقاط الجدران بين الحاضر والمستقبل»، حسب عنوان محاضرته التي ألقاها امس، واستكمل خلالها عرضه الطوباوي لأحوال العالم والفوضى التي تعمها، والتي تعزى برأيه الى سوء تدبير، اكثر مما تعزى الى سوء تفكير.

لم يثر الضيف الروسي اهتمام حتى المعنيين او المتخصصين بالعلاقات الدولية. لفت بعض الانظار حلوله على الرؤساء الثلاثة بتشريف يليق برئيس سابق لدولة لم تعد موجودة على الخريطة العالمية. لم ينتبه احد لما قاله عن لبنان الذي وصفه بأنه «بلد صعب»، من دون ان يوضح معنى تلك الكلمة التي يمكن ان ترد على سبيل المجاملة او المهانة... ومن دون ان يوحي بأنه يعرف الجغرافيا التي يقف فيها، ولا الزمن الذي يتحدث عنه.

لعله عيب في الرجل الذي لم يطمح يوما الى تقديم نفسه باعتباره خبيرا في اي من الشؤون التي تعامل معها، او على الاقل مؤرخا لتلك الحقبة التي كان اسمه مدويا فيها. بديهي ان احدا لا يسأله عن تجربة الحزب الشيوعي الذي شيعه الى حتفه. لكن الغريب الا يكون لديه نص او حتى جواب شفهي يمكن ان يدرج في سياق اي بحث اكاديمي عن تاريخ الاتحاد السوفياتي، او عن العلاقات الدولية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ما كتبه وقاله حتى الآن لا يتعدى اليوميات الشخصية التي لا تقارن بمذكرات اي رئيس دولة محترمة.

كأنه يأتي من المجهول، ليثبت ان ثمة فراغا في الذاكرة الانسانية، وخللا في الذاكرة الروسية، تشكل بالتواطؤ مع هذا الرجل الذي لا يحفظ الماضي، ولا يقيم في الحاضر، ولا يتصل بالمستقبل، ويقتصر دوره على ملصق اعلاني، يسهل تمزيقه عندما تنتهي حملة الترويج، ويعود غورباتشوف الى دائرة النسيان.





Share

Copyright 2010 Khabaronline.com. All rights reserved.