لحظة يا جنرال

2010-02-01

حسن خليل

 

سيرة ذاتية، من الصعب على أكثر السياسيين اللبنانيين مقارعة ميشال عون فيها. قائد عسكري أصبح قائداً لتيار ونهج لم يتعودهما اللبنانيون. في الأسابيع الأخيرة، عند طرح مواضيع دستورية للبحث، تساءل العديدون عمَّا حصل في تغيير لما اعتادوه منه، وعمّا إذا كان بعض التحوّل الذي يشهدونه هو في التكتيك أم في الاستراتيجيا.

معارضوه فرحوا بزيارته التاريخية لسوريا لأنهم (كبعض مناصريه) استنتجوا أنها ستضعف جمهوره المسيحي. هكذا أيضاً اعتقدوا عندما عانق حسن نصر الله يوم توقيعهما ورقة التفاهم. تبين لاحقاً خطأ التمنّي والتوقّع. لا استحقاقات داخلية رئيسية اليوم تجعله يدخل حلبة التنافس المسيحي، ولا يتخيله البعض يتصرف بهدف اقتناص الحصة الأكبر في التعيينات، إلا من باب تحسين الكفاءة. لقد أصبح جزءاً من المعادلة الإقليمية لا المحلّية فقط. يسأل البعض: لماذا المواقف السلبية لميشال عون من مواضيع وطنية، ولو أنها تصدر عن «حليف حليفه» الذي لا تجمع بينهما كيمياء مشتركة؟

لم يصدّق الرئيس بري أن هناك بين السياسيين من هو مثله أو أشدّ في العناد. اكتشف عناد عون فعلياً في انتخابات جزين، مندهشاً أمام أحد زواره حينها، ووجد فيه أنه يقارعه في استراتيجيا «رفع السقف» والمناورة، عكس حليفهما المشترك الذي بات «كاريتاس الضاحية».

عاد إلى لبنان قبل شهر من الانتخابات النيابية عام 2005. يقول إنه لم يكن لديه الوقت للتقويم واختيار «الأكفأ»، فاعتمد «الأفضل».

مرت الانتخابات وتوقّع مناصروه، وهم غير محصورين في التيار فقط، السير في مأسسة التيار لتحويله إلى حزب، لكنه لم يفعل لأنه «كان في وضع يواجه العالم كله، بدءاً بالولايات المتحدة»، كما يقول هو. كانت «ورقة التفاهم» من أهم الإنجازات التي جنّبت لبنان كوارث، ووحّدت بعض أبنائه بطريقة غير مسبوقة خلال حرب تموز 2006، وأزمة أيار 2007.

استعمل الحجّة نفسها في اختياره للوزراء الأوائل «لأنه لا يستطيع بكبسة زر التخلّي عمّن كانوا إلى جانبه»، وعدم توزيع بعض المغانم لهم، منها نيابة رئاسة الحكومة، لكنه لا يتوانى في رسم الخط الأحمر لمن يرى أن المناصب هي الهدف ولو كان أعز اصدقائه، كما حصل في رأي بعض القريبين، مع نائب رئيس الحكومة نفسه.

في الانتخابات النيابية الثانية، عادت بعض الوجوه التي لم يجد مناصروه فيها الكفاءة أو الحضور، لكنّ الجنرال عوّض عن ذلك باختيار بعض المرشحين (الذين أقنعوه بترشيحهم بشقّ النفس)، لكنهم يمثّلون اليوم حضوراً مميّزاً للتيار كان يفتقده. ثم أحرز «ضربة المعلّم» باختياره الوزاري الأخير، ليصرخ في وجه المشكّكين بأنّه يأخذ في الاعتبار الكفاءة.

محبوّه كُثر، منهم من يسلّم له بكل قراراته، وآخرون يناصرونه لكنهم يرون انحرافات جذرية في مسيرة التيار. يتهمونه بأنه لا يعطي رصيداً لأحد، بل ينفرد به لنفسه. ثقته محصورة فقط في عدد أشخاص لا يتعدّى أصابع اليد الواحدة. لكن يجمع الكلّ على أنه صادق.

الأهم ليس صورة الجنرال عند حزبييه، بل الانجذاب للجمهور الواسع الذي أعجب بالشعارات التي أطلقها خلال فترة القمع التي تعرّض لها، حتى قيل عنه إنه قائد، لا زعيم، لأنه يقرأ الحاضر ويستشرف مصلحة وطنه للمستقبل.

هذا الجمهور يتساءل اليوم عمّا إذا كان ميشال عون قد دخل في تنافس مع سمير جعجع وأمين الجميّل ليضيّق بذلك شعاراته الكبرى، التي جعلت منه زعيماً وطنياً لم يحظ بمكانته أي زعيم ماروني سابقاً، حتى في الحقبة الذهبية، إلى شعارات لتثبيت موقعه المسيحي، إلا إذا كان الهدف الانطلاق منه إلى الموقع الوطني. ألم يعد من الأهمية، يسأل البعض، إلغاء الطائفية السياسية «لأن الطائفية ما زالت راسخة بعمق النفوس»؟ (مرة أخرى: هل يُسأل مدمن المخدرات عن رأيه في تطبيق العقوبة بمتعاطيها؟). واضحة أهمية اقتراع المغتربين، لكن ألم يعد خفض سنّ الاقتراع أولوية، وأصبح موضوع استرجاع الجنسية يتقدّم عليه؟ وهل التغاضي عن المجلس الدستوري والطعون هو في التكتيك فقط؟ هذه المواضيع الحسّاسة تضع علامة استفهام لدى جمهوره الواسع: هل أصبح ميشال عون أسيراً للواقع المسيحي يجرّه إلى مواقفه الأخيرة، بدل أن يأخذ هو المسيحيين إلى حيث يرى هو موقعهم وأمنهم وضمانتهم (ومرة أخرى، فلينظروا إلى مسيحيي سوريا والأردن، لا إلى مسيحيي فلسطين والعراق)؟ هذا هو الفرق بين الزعامة والقيادة.

يطلب البعض من الجنرال أن يُطمئن بأنّ موقفه من إلغاء الطائفية السياسية هو للوصول إليها، وأن موقفه من خفض سنّ الاقتراع هو للتأكد من حسن التطبيق، وأخيراً أن جهوده لمأسسة التيار هي لتحوله إلى حزب وطني شامل، وأن لا يكون الهدف المثلث هو لتثبيت موقع مسيحي ينحرف عن المسيرة التي خطّها الجنرال ومشى عليها من آمن وأمِن له. أيضاً يطالب الكثيرون بالاطمئنان إلى أن نادي السياسيين وزعماء الميليشيات لم يمتصّه إلى داخله، بعدما كان متمرداً عليه، ولهذا سار وراءه جمهور واسع.

لا يُراد أن يأتي يوم يطلب الناس فيه التوضيح في ما يختلف ميشال عون عن باقي الزعامات الطائفية، وإن آثر أن يكون زعيماً بدل أن يكون قائداً...





Share

Copyright 2010 Khabaronline.com. All rights reserved.